*بيت النمل: مقاومة لا تنتهي*

عاجل

الفئة

shadow


✍🏼 منجد شريف

جرياً على عادتي في هواية الزراعة، وبعدما قمت بحراثة التربة وتقطيعها إلى لجان وزراعتها ببذور مختلفة من النعنع والبقدونس والفجل والخيار وخلافها، ظهرت لي عدة بيوت للنمل.
وفي كل مرة وفي كل عملية ري، كانت تلك البيوت تختفي بفعل غرقها بالماء، لأعود وأجدها على سابق حالها في اليوم التالي. 
منذ شهر وهذا الأمر يتكرر، فكأن إرادة المقاومة والصبر عند النمل لا تنتهي بل تزداد إصراراً. 
وهنا أخذتني المقاربة على الواقع الذي نعيشه؛ فكأن الطبيعة في دورتها الأزلية تقدم لنا بياناً صريحاً بأن المقاومة لا تنتهي طالما سبب وجودها لم ينتهِ، وهو كذلك، فالإرادة الصلبة عند الإنسان ومقاومته للاحتلال لا تنتهي طالما العدو مستمر في سياسته العدوانية، فالنمل على ضعفه وفطرته البسيطة لم يسلم أرضه ولم يرفع راية بيضاء أمام طوفان الماء، فكيف بالإنسان الذي جُبلت كرامته بالحرية والوعي؟
هذه المقاربة الفلسفية لم تكن مجرد ترف فكري عابر خطرت في بالي وأنا أتأمل تراب الحديقة، بل هي مخاض تجربة وجودية عشتها بكل جوارحي وتفاصيلها خلال الحرب الأخيرة على لبنان. 
فعندما اشتد قصف العدوان العنيف، واستحالت الضاحية الجنوبية لبلداتنا ومدننا ساحة للنار والدمار، غادرتُ بيتي قسراً تحت وطأة الغارات، وفي غمرة التشريد والنزوح، تجلت آيات التكافل الاجتماعي والروابط العائلية الأصيلة، إذ أكرمت عليّ ابنة خالتي بفتح أبواب منزلها لي في منطقة "دوحة الحص".
هناك، في تلك البقعة الوادعة المطلة على البحر والأفق والمسيجة بالمحبة، والتي احتضنت قلقي وشتات نفسي، بدأت حكايتي مع بذور الحديقة كنوع من التمسك بالحياة وصناعة الأمل من لا شيء. 
وهناك أيضاً كنت أراقب مشهداً كونيّاً مزدوجاً يختصر صراع الوجود: طائرات الحقد تغير في الأفق لتهدم البيوت في الضاحية والجنوب و بعلبك و أينما يحلو لها،، و كذلك الماء في الحديقة يغمر بيوت النمل فيهدمها. وفي الصباح، حين كان دخان الغارات الأسود يتصاعد ليعانق السماء كشاهد على الجريمة، كان النمل قد نفض غبار البؤس عن كاهله وأعاد تشييد بيته بحبات تراب ذهبية وبكبرياء متجدد، لتختزل ذرات التراب في دوحة الحص المشهد اللبناني بأسره في معادلة الهدم والبناء.
لقد مرّت على لبنان حرب طاحنة أقبلت كالسيل العارم الجارف، لا لتروي الأرض بل لتقتلع الحجر والبشر والتاريخ، وظن العدو في غمرة غطرسته وسياسته التدميرية القائمة على الأرض المحروقة أن طوفان النار كفيل بإنهاء القضية، وبأن هذه الأرض ستغدو قاعاً صفصفاً مستسلمةً لمشيئته. 
ولكن ما غفلت عنه الآلة العسكرية الصماء، وجنيرالات الحروب الذين يحسبون كل شيء بالأرقام والموجات الارتدادية للقنابل، هو "فلسفة البقاء اللبنانية" العصية على الفهم، والشبيهة تماماً بعبقرية تلك المخلوقات الصغيرة تحت التراب. 
ففي اليوم التالي لوقف العدوان، تماماً كاليوم التالي لري الحديقة، لم ينتظر اللبنانيون إذناً من أحد، ولم يستسلموا لمرارة الفقد؛ بل انطلقت قوافل العائدين صوب قراهم المهدمة وركام بيوتهم المستباحة.
سارعوا بنخوة عجيبة لينصبوا الخيام فوق الأنقاض، ويرفعوا الأعلام فوق تلال الردم، ويبدأوا بسواعدهم العارية إزالة آثار "السيول العدوانية" بوعي صلب وإصرار مذهل، معلنين للعالم أجمع أن البيت الذي ينهدم يُبنى بأفضل وأجمل مما كان، لأن علاقة اللبناني بترابه ليست علاقة جغرافية مجردة، بل هي علاقة روحية ووجودية، وجذور ضاربة في عمق التاريخ لا يمكن لأعتى الصواريخ اقتلاعها.
وبينما أتأمل اليوم بذور النعنع والبقدونس والفجل وهي تشق طريقها بإعجاز نحو الضوء، متفلتة من ظلمة التراب وقسوة الظروف في حديقة دوحة الحص، أدرك تماماً أن الحرب الأخيرة لم تكن سوى فصل آخر من فصول اختبار الإرادة الوطنية التي تخرج في كل مرة أكثر نقاءً وصلابة. 
وكما تعجز المياه المتدفقة عن إقناع النمل بترك مملكته وترابه، عجزت آلاف الأطنان من المتفجرات عن إقناع اللبناني بالتخلي عن هويته وأرضه وكبريائه.
إنها جدلية الحق والباطل؛ فالعدوان إلى زوال مهما طال ليله، والسيول الجارفة لا بد أن تجف وتتبخر، وتبقى الأرض في نهاية المطاف لأصحابها الحقيقيين... مقاومةً، صامدةً، خصبةً، وخضراء إلى أبد الآبدين.

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة